السيد الطباطبائي

217

الإنسان والعقيدة

وثانيهما : أنّ الطريق متشعّب في العود إلى طريقي السعادة والشقاوة ، واللذّة والألم ، والجنّة والنّار ، بخلاف البدء . وهذا لا ينافي سبق شقاوة الأشقياء ، وجفاف القلم الأعلى . واعلم أنّ هذه المعاني بين ما هو ضروري ، وما أقيم عليه البرهان في محلّه . وممّا مرّ من البيان ، يظهر وجه ارتباط الأعمال والمجاهدات الشرعيّة بما وعده وأوعده الحقّ سبحانه بلسان أنبيائه المرسلين . وسيجيئ زيادة توضيح لذلك بعد يسير . تتمّة : فيما يدلّ على ما مرّ ، من الكتاب والسّنّة نقول : إذا نظرنا نظر المتدبّر إلى خصوصيّات شريعة الإسلام ، بل جميع الملل الإلهيّة ، وجدنا أنّ المقصود الوحيد فيها ، هو صرف وجه الإنسان إلى ما وراء هذه النشأة الطبيعيّة . وهذه سبيلها تدعو إلى اللّه على بصيرة ، فهي في جميع جهاتها تروم إلى هذا المرام ، وتطوف على هذا المطاف ، بأيّ طريق أمكن . ثمّ إنّ النّاس من حيث درجات الانقطاع إلى اللّه سبحانه ، والإعراض عن هذه النشأة المادّية ، على ثلاث طبقات : الطبقة الأولى : إنسان تامّ الاستعداد ، يمكنه الانقطاع قلبا عن هذه النشأة مع تمام الايقان باللازم من المعارف الإلهيّة ، والتخلّص إلى الحقّ سبحانه ، وهذا هو الذي يمكنه شهود ما وراء هذه النشأة المادّية ، والإشراف على الأنوار الإلهيّة ، كالأنبياء عليهم السّلام ، وهذه طبقة المقرّبين . الطبقة الثانية : إنسان تامّ الإيقان ، غير تامّ الانقطاع من جهة ورود هيئات نفسانيّة ، وإذعانات قاصرة ، تؤيسه أن يذعن بإمكان التخلّص إلى ما وراء هذه النشأة المادّية ، وهو فيها . فهذه طبقة تعبد اللّه كأنّها تراه ، فهي تعبد عن صدق من غير لعب ، لكن من وراء